فوتوغرافيا – غصّة الباب .. الذي يُنكر صاحبه !

فوتوغرافيا – غصّة الباب .. الذي يُنكر صاحبه !

لدى اطلاعنا على نسخة من كتاب “هنا، الأبواب لا تعرفني” للمصور المصري المميز محمد مهدي، وجدنا أنفسنا أمام تجربة بصرية إنسانية توثيقية تلامس المشاعر وتنكأ جراح الفراق، يُقدِّم محمد الصورة في كتابه كذاكرةٍ تحارب النسيان وترفض الاستسلام حتى آخر قطرةٍ من ألوانها. وهنا بدأ السؤال الكبير بطرح نفسه .. هل يمكن للصورة أن تكون فعلاً من أفعال المقاومة؟
هذا العمل ليس مجرد توثيقٍ بصريّ لمنطقةٍ مُهدّدةٍ بالزوال، بل هو محاولة واعية لإنقاذ الذاكرة من التبديد. فحين تُهدم البيوت لا تسقط الجدران فقط، بل تتشقّق السرديات التي صَنَعَت هوية الناس وغذَّت ذاكرتها الإنسانية عبر أجيال. هنا يتجاوز التصوير وظيفته الجَمَالية ليصبح أداةً لحفظ المعنى، وجسراً بين الماضي والمستقبل.
محمد مهدي قام في كتابه بنقل الفوتوغرافيا من إطار “التسجيل” واستدعائها لكرسي “الشهادة”، لم يكتفِ بصورة المكان، بل مَنَحَ الصوت لأهله، فحوَّل المشروع إلى أرشيفٍ وجدانيّ جماعيّ. لهذا التحوّل أهمية عميقة في سياقنا العربي من حيث البُعد الإنسانيّ، حيث تتسارع التحوّلات العمرانية والاجتماعية بوتيرةٍ قد تشوّش قدرتنا على الفهم والتوثيق.
هناك كثير من الأماكن تختفي قبل أن يروي أصحابها قصصها، وهنا تتجلّى مسؤوليتنا الثقافية في أن نحفظ الحكاية قبل أن تختفي ملامحها. الصورة حين يرتبط الوعي بالسرد، لا تُجمِّد اللحظة .. بل تمنحها امتداداً زمنياً، إنها لا تقاوم الهدم مادياً، بل تقاوم النسيان.
هذا الكتاب يُذكِّرنا أن الذاكرة الجَمعيّة ليست تَرَفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط العدالة الرمزية، وأن الصورة، حين تُحسن الإصغاء، يمكن أن تُصبح بيتاً بديلاً .. حينما تُنكر الأبواب أصحابها. إن معركتنا الثقافية اليوم ليست فقط مع ما يُهدم، بل مع ما يُمحى من الذاكرة. فالمستقبل الذي لا يُبنى على سرديةٍ محفوظة، هو مستقبل هشّ وفريسةٌ سهلة للنسيان.
فلاش
الصورة حينما تمنح الذاكرة .. بطاقة “مُؤمَّن ضد النسيان”
جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي

www.hipa.ae

Exit mobile version