سيرجي بروكودين-غورسكي رائد الألوان المنسي الذي وثّق إمبراطورية
بقلم المصور الفوتوغرافي : رفيق كحالي
في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، هناك أسماء تلمع في سماء الشهرة، وأخرى تبقى في الظل رغم إسهاماتهاالجليلة. من بين هؤلاء الرواد المنسيين، يبرز اسم سيرجي ميخائيلوفيتش بروكودين-غورسكي (SergeyMikhaylovich Prokudin-Gorsky)، الكيميائي والمصور الروسي الذي لم يكتفِ بتوثيق حقبة تاريخية بأكملها، بلفعل ذلك بألوان زاهية في زمن كان التصوير بالأبيض والأسود هو السائد. لقد ترك بروكودينِ-غورسكي إرثاً بصرياًلا يقُدر بثمن، يمثل نافذة فريدة على الإمبراطورية الروسية قبيل انهيارها، لكن شهرته لم تواز حجم إنجازاته إلا بعدعقود من وفاته.
حياة رائد الألوان من الكيمياء إلى الكاميرا
وُلد سيرجي بروكودين-غورسكي في 30 أغسطس 1863 (بالتقويم القديم) في فونيكوفا غورا، مقاطعة فلاديمير،الإمبراطورية الروسية. كان ينتمي إلى عائلة نبيلة روسية، وتلقى تعليما جيدا في الكيمياء في جامعة سانتبطرسبرغ الحكومية للتكنولوجيا، حيث تتلمذ على يد ديمتري مندلييفً، مبتًكر الجدول الدوري للعناصر. هذاالخلفية العلمية العميقة كانت حجر الزاوية في شغفه بالتصوير الفوتوغرافي، حيث بدأ في استكشاف الجوانبالكيميائية والفيزيائية للضوء والألوان.
تزوج بروكودين-غورسكي من آنا ألكسندروفنا لافروفا في عام 1890، وواصل اهتمامه المتزايد بالتصوير. لم يكنمجرد مصور هاوٍ، بل كان باحثا ومخترعا. سافر إلى برلين لدراسة التصوير الفوتوغرافي في مختبرات أدولف ميت،أحد رواد التصوير الملون في ألمًانيا، ثم عًاد إلى روسيا ليطبق ويطور ما تعلمه. بحلول عام 1905، كان قد أتقنتقنية التصوير الملون الخاصة به، والتي كانت متقدمة جداً لعصره.
تقنية الألوان الثورية سحر المرشحات الثلاثة
في أوائل القرن العشرين، كان التصوير الملون لا يزال في مهده. اعتمد بروكودين-غورسكي على مبدأ الألوانالثلاثة الذي اقترحه جيمس كليرك ماكسويل في عام 1855. تتلخص تقنيته في التقاط ثلاث صور متتالية لنفسالمشهد باستخدام مرشحات ألوان مختلفة: أحمر، أخضر، وأزرق. كانت هذه الصور الثلاثة بالأبيض والأسود، ولكنعند عرضها من خلال جهاز عرض خاص يمرر الضوء عبر مرشحات الألوان الأصلية نفسها، كانت تتحد لتشكلصورة ملونة كاملة وواقعية بشكل مذهل.
تطلبت هذه العملية دقة عالية وسرعة في الالتقاط لتجنب حركة الأجسام، وكانت تتطلب أيضا معداتمتخصصة. استخدم بروكودين-غورسكي كاميرا خاصة تقوم بالتقاط الصور الثلاث بسرعة، ثم يقوًم بمعالجتها.
كانت النتيجة صوراً ذات جودة لونية استثنائية، سبقت عصر التصوير الملون التجاري بعقود.
توثيق إمبراطورية مشروع القيصر نيكولاس الثاني
كانت رؤية بروكودين-غورسكي تتجاوز مجرد التقاط الصور الجميلة؛ فقد كان لديه حلم بتوثيق الإمبراطوريةالروسية الشاسعة والمتنوعة بألوانها الحقيقية. في عام 1909، عرض مشروعه الطموح على القيصر نيكولاسالثاني، الذي انبهر بعمله وقدم له الدعم الكامل. زوده القيصر بقطار خاص مجهز بمختبر مظلم متنقل، ومنحهتصاريح خاصة سمحت له بالوصول إلى جميع أنحاء الإمبراطورية، بما في ذلك المناطق المحظورة.
على مدى ست سنوات (1909-1915)، سافر بروكودين-غورسكي آلاف الأميال، موثقا كل جانب من جوانبالحياة الروسية: من المدن الصاخبة والقرى الهادئة، إلى الجبال الشاهقة والأنهار المتدفقًة، ومن الكنائس القديمةوالأديرة التاريخية، إلى المصانع الحديثة والسكك الحديدية. صور الفلاحين والنبلاء، الجنود ورجال الدين، الأطفالوالعمال، وقادة مثل أمير بخارى، عليم خان.
Hits: 0
