أوجين أتجيه الرجل الذي أنقذ باريس من النسيان -Eugène Atget –
بقلم المصور الفوتوغرافي : رفيق كحالي
في تاريخ الفوتوغرافيا، ثمة أسماءٌ يلمع بريقها في الواجهة، وأخرى تعمل في صمت حتى تصير، بعد رحيلها، أعمدةً لا يمكن تجاوزها. ومن بين هذه الأسماء يقف أوجين أتجيه شامخاً، لا بوصفه مصوراً عادياً وثّق مدينة، بل بوصفه عيناً استثنائية أنقذت باريس من الذوبان في النسيان. لقد كان يرى ما لا يلتفت إليه العابرون درجاً قديماً، واجهة متجر، جذور شجرة، فناءً داخلياً، أو شارعاً شبه خالٍ، ثم يمنح تلك التفاصيل حياةً ثانية داخل الصور
في تاريخ التصوير الفوتوغرافي أسماءٌ ملأت الكتب، وأخرى غيّرت مسار الصورة من دون أن تنال ما يكفي من الذيوع بين عامة المصورين. ومن هذه الأسماء اللامعة في عمقها، الهادئة في حضورها، يبرز أوجين أتجيه، المصوّر الفرنسي الذي لم يكن مجرد صانع صور، بل حارساً بصرياً لذاكرة مدينة كاملة.
في كل عصر، يظهر مصورون يطاردون اللحظة، ويظهر آخرون يطاردون الزمن نفسه. وبين هذين العالمين، يقف أوجين أتجيه بوصفه واحداً من أولئك النادرين الذين لم يكتفوا بتسجيل المشهد، بل سعوا إلى إنقاذه من الفناء.
لم يكن نجماً صاخباً، ولا اسماً متداولاً على نطاق واسع بين عامة المصورين، لكن أثره تسلل بهدوء إلى قلب تاريخ الفوتوغرافيا حتى صار اليوم مرجعاً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن التصوير الوثائقي، وتصوير المدن، والذاكرة البصرية. لقد جال باريس ثلاثين عاماً تقريباً، يصوّر شوارعها وأفنيتها وحدائقها وواجهاتها وعناصرها المعمارية ومهنها الصغيرة، في زمن كانت فيه المدينة تتبدل تحت ضغط التحديث الصناعي.
وكان يرى ما لا يراه المارّة: الباب الذي شاخ بصمت، السلم الحجري الذي حفظ خطى الغائبين، النافذة التي انطفأت خلف زجاجها حياةٌ كاملة. ومن هنا، لم تكن صوره مجرد صور، بل شواهد نجت من النسيان.
أوجين أتجيه – Eugène Atget
وُلد أوجين أتجيه عام 1857، وبدأ مساره بدراسة الدراما في باريس في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، قبل أن يعمل ممثلاً جوالاً لسنوات. غير أن حساسيته المسرحية لم تجد ذروتها على الخشبة، بل وجدت خلاصها في فن أكثر صمتاً وتأملاً: التصوير الفوتوغرافي. ففي أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر بدأ يصوّر ما يحتاجه الفنانون من نماذج مرجعية، وبحلول عام 1898 كان قد أسس لنفسه ممارسة مهنية واضحة في باريس.
منذ ذلك الحين، كرس أتجيه حياته لمشروع استثنائي أن يصنع ما كان يسميه بتواضع «وثائق» عن المدينة وضواحيها. لكنه، في الحقيقة، لم يكن يصنع وثائق عادية؛ بل كان يبني موسوعة بصرية لباريس، تسجل عمارتها، وتقاليدها، وحدائقها، ومحالها، ومهنها، وكل ما يميز ثقافتها وتاريخها. وكان نادراً ما يصوّر الناس، مفضلاً الشوارع نفسها، والأفنية، والحدائق، والزوايا التي تشكل المسرح الثقافي للحياة.
“أحياناً لا يحتاج التاريخ إلى معركة كي يُخلَّد؛ يكفيه شارع قديم بعدسة صادقة.”
أمضى أتجيه ثلاثة عقود تقريباً وهو يجوب باريس بكاميرا رؤية كبيرة وثقيلة، يعمل وحيداً، ويصور كل ما يعتقد أنه مهدد بالزوال. وقد التقط العناصر المعمارية، والشوارع، والجذور، والعربات، وواجهات المتاجر، والمهن الصغيرة، لأن عينه كانت ترى في هذه التفاصيل المتناثرة قصةً أكبر من ظاهرها. لم يكن يبحث عن الإثارة، بل عن الجوهر؛ ولم يكن يطارد الحدث، بل يلاحق الأثر الذي يتركه الزمن على الأشياء.
وبحلول نهاية حياته، كان قد جمع أرشيفاً يزيد على 8,000 نيغاتيف، رتّبه في فئات متعددة مثل «الديكورات الداخلية الباريسية» و«المركبات في باريس» و«المهن الصغيرة». هذه النزعة الأرشيفية لم تكن مجرد تنظيم تقني، بل كانت جزءاً من وعيه العميق بأن الثقافة لا تُحفظ بالذاكرة الشفهية وحدها، بل أيضاً بالصورة الدقيقة التي تنجو من الزوال.
ولم يكن أثر أتجيه محصوراً في الجانب التوثيقي فقط، بل امتد إلى التأثير الفني الواسع. ففي عشرينيات القرن العشرين، احتفى مان راي والسرياليون بصوره، خصوصاً أعماله التي تُظهر واجهات العرض الزجاجية حيث تلتقي انعكاسات الشارع بالأشياء المعروضة، فتغدو الصورة معلّقة بين الواقع والحلم. وفي الوقت نفسه، رأت بيرينيس أبوت في أعماله مشروعاً توثيقياً ملحمياً لمدينة كبرى تعيش تغيرات زلزالية، وساعدت في نقل جزء مهم من أرشيفه إلى الولايات المتحدة، ثم أعادت طباعة كثير من أعماله من النيغاتيفات الأصلية.
“كان أتجيه يصوّر الأماكن كما لو أنه يودّعها، وكأن كل لقطة رسالة أخيرة إلى المستقبل.”
ورغم أن شهرته الأوسع تعززت بعد وفاته، فإن قيمته كانت محسوسة في حياته أيضاً؛ فقد باع أكثر من 16,000 طبعة لمؤسسات في باريس وحدها، كما اقتنت أعماله متاحف ومكتبات ووكالات حكومية، إضافة إلى فنانين كبار مثل جورج براك وأندريه ديران وموريس أوتريلو. وهذا يعني أنه لم يكن مغموراً تماماً بقدر ما كان بعيداً عن صورة «المصور النجم»، وهو ما يجعل إرثه أكثر احتراماً وعمقاً.
إن ما يدهش في صوره ليس فقط جمالها البصري، بل قدرتها على إبطاء الزمن. فعندما تنظر إلى شوارع أتجيه، تشعر أنك لا ترى مكاناً فحسب، بل تسمع همس الماضي فيه. وعندما تتأمل واجهاته القديمة، تدرك أن الصورة يمكن أن تصبح بيتاً أخيراً للأشياء قبل أن يسلبها العالم ملامحها.
“لم يكن يصوّر باريس كما يراها الناس، بل كما يخشى التاريخ أن يفقدها.”
“في عدسة أتجيه، تصبح الواجهة ذاكرة، ويصبح الشارع وثيقة، ويصبح الصمت مادةً للفن.”
“بعض المصورين يلتقطون الضوء، أما أتجيه فكان يلتقط الزمن.”
“لم تكن صوره تبحث عن الضجيج، بل عن البقاء.”
أوجين أتجيه لم يكن مجرد رجل يحمل كاميرا في شوارع باريس، بل كان حارساً خفياً لذاكرتها. سار طويلاً في الأزقة والحدائق والأفنية والواجهات، لا ليصنع صوراً جميلة فقط، بل ليمنح الأشياء حقها الأخير في أن تُرى قبل أن تختفي.
لقد فهم، بحدس الفنان وصرامة المؤرّخ، أن العالم لا يفقد نفسه في اللحظات الكبرى وحدها، بل يفقدها أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. ولهذا جاءت أعماله أكبر من الأرشفة، وأعمق من التوثيق، وأبقى من الزمن نفسه. وحين نذكر اليوم المصورين الذين غيّروا التاريخ، ينبغي أن يُذكر أتجيه لا لأنه صوّر مدينة فقط، بل لأنه أنقذ روحها من الغياب.
Eugène Atget
French, 1857–1927
2996 works online
Working in and around Paris for some 35 years, in a career that bridged the 19th and 20th centuries, Eugène Atget created an encyclopedic, idiosyncratic lived portrait of that city on the cusp of the modern era




























