الفنان السوري الموسوعي:جورج عشي.. حكاية روحٍ لم ترضَ بلونٍ واحد.
إعداد: فريد ظفور
** في البدء كانت المقدمة:
حين نتحدث عن الأستاذ جورج عشي، فإننا لا نستحضر مصورًا ضوئيًا فحسب، بل نستدعي قامةً ثقافيةً وفنيةً نادرة، اجتمعت فيها ألوان الإبداع كلها؛ فهو شيخ المصورين السوريين، وأحد المؤسسين الأوائل لنادي ولفن التصوير الضوئي في سورية، وهو فنان تشكيلي، وعازف موسيقي، وشاعر غنائي، ترك بصماته في الصورة واللون والكلمة والنغمة، وكتب كلمات العديد من الأغنيات التي تغنى بها مطربون عرب.
* أيها المتألق القادم من تخوم الأسطورة، من بلاد الشام والرافدين، ما زالت رياحك الإبداعية تهب علينا محمّلةً بوهج الشمس، فتوقظ فينا أصوات الياسمين الدمشقي، والوردة الجورية، واليَرَنْجَة، وتعيد إلى الذاكرة أغنيات المساء العاطفية التي لا تشيخ. لقد جعلت من التدرجات الرمادية لغةً للجمال، ومن الضوء قصيدةً، ومن اللون صلاةً، ومن الكلمة جسرًا يعبر بنا نحو فضاءات الفن والمعرفة.
أنت ابن الحضارة السورية التي أنجبت أول أبجدية في أوغاريت، وأول نغمة موسيقية، وأول إشراقةٍ للحرف والوتر، فكنت امتدادًا طبيعيًا لذلك الإرث العريق، وحملت رسالته إلى الأجيال بروح الفنان، وصدق المعلم، ونبل الإنسان.
كبرتَ في ذاكرة الثقافة السورية حتى غدوت مدرسةً قائمةً بذاتها، تقف في منتصف الطريق ممسكًا بأيدي تلاميذك ومحبيك، تهديهم إلى دروب الضوء، وتفتح لهم أبواب الرؤية الصحيحة، وتمنحهم من خبرتك ما يجعل الصورة رسالة، واللوحة موقفًا، والموسيقى إحساسًا، والكلمة مسؤولية.
وفي شخصيتك تآلفت الفنون كما تتآلف عناصر السمفونية الواحدة؛ فالمصور عندك يرى بعين الشاعر، والتشكيلي يصغي بإحساس الموسيقي، والشاعر يرسم بالكلمات، والموسيقي يلون الصمت بالأمل. لذلك لم يكن عطاؤك مجرد أعمال فنية، بل كان مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا متكاملًا، يزرع قيم الحق والخير والجمال في نفوس عشاق الضوء واللون والحرف والنغمة.
وحين نقترب من عالمك، لا نفتش عن كنز خارج دائرة الضوء، لأن الكنز الحقيقي كان دائمًا في داخلك؛ في تلك الروح التي آمنت بأن الفن رسالة، وأن الجمال طريق إلى المعرفة، وأن الإبداع فعل محبةٍ وبناء. لذلك بقيت، وستبقى، قامةً شامخة في ذاكرة الفن السوري والعربي، وأستاذًا وأبًا روحيًا لأجيال من الفنانين، وقنديلًا يضيء الطريق لكل من يؤمن بأن الثقافة هي الوجه الأجمل للحياة.
* جورج عشي: ثلاثية اللون والصوت والضوء في تشكيل الهوية السورية
قلّما يجمع مبدع واحد بين أدوات التعبير الفني كافة، فيمتلك ناصية اللوحة الزيتية، ويتقن اقتناص اللحظة بالعدسة، ويكتب الكلمة التي تغدو لحناً على ألسنة كبار المطربين. لكن الفنان السوري جورج عشي، ابن بلدة ضهر صفرا في محافظة طرطوس، هو واحد من أولئك المبدعين الاستثنائيين الذين جعلوا من الفن رسالة متكاملة، لا تقتصر على حيز دون آخر. إنه “حالة فنية متعددة المواهب”، جمع بين التشكيل والتصوير الفوتوغرافي وكتابة الأغنية، ونجح في ترك بصمة راسخة في الذاكرة البصرية والسمعية السورية والعربية. هذا المقال محاولة لتتبع مسيرة هذا الفنان “الشامل”، مستعرضاً محطاتها الإبداعية وإنجازاتها التي جعلت منه علماً من أعلام الثقافة والفن في سوريا.
المسيرة الذاتية:
النشأة والتكوين الأكاديمي:
وُلد جورج عشي عام 1940 في بلدة ضهر صفرا الساحلية، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة عشقاً مبكراً للجمال، تجلى لاحقاً في كل ما أنجزه. تلقى تعليمه الثانوي في مدارس “الأرض المقدسة” بحلب، حيث نال شهادته عام 1959. لم يقف طموحه عند هذا الحد، فانتقل إلى بيروت لينهل من معين الفنون التطبيقية، وحصل على دبلوم في الديكور الداخلي بدرجة امتياز من المدرسة الدولية. لكنه لم يكتفِ بالتشكيل، بل وسّع آفاقه الفنية إلى الموسيقا، فدرس العزف على آلة الكمان على يد أساتذة كبار؛ منهم ميشيل كونستانتنيدس في اللاذقية، وميشيل بوريزنكو في حلب.
المسيرة الفنية ( تشكيل، تصوير، وتأليف):
تميزت مسيرة جورج عشي بطابعها التعددي الفريد، حيث جسد نموذجاً نادراً للفنان الموسوعي. فإلى جانب كونه تشكيلياً مرموقاً، برع كأحد رواد التصوير الضوئي الفني والصحفي في سوريا، وكان عضواً مؤسساً في نادي فن التصوير الضوئي، حاملاً العضوية رقم “1”. كما كان من الأعضاء المؤسسين للفرقة السيمفونية الوطنية التي ظهرت عام 1960.
في مجال التأليف الغنائي، ترك عشي بصمة واضحة، فهو واحد من الشعراء السوريين القلائل المنضوين في جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين الدولية في باريس. صدرت له مجموعتان شعريتان باللغة المحكية السورية هما: “كلمتين زغار” (1964) و”الجوع والحب” (1970). تغنى بكلماته كبار المطربين السوريين والعرب، ومنهم ملحم بركات وجورج وسوف ونهاد طربيه.
السمات الفنية لأسلوبه :
يُعدّ جورج عشي من الفنانين الذين يمكن التعرف إلى أعمالهم من الوهلة الأولى، إذ تمتلك صوره الفوتوغرافية بصمة بصرية خاصة، لا تحتاج إلى توقيع أو تعريف. فقد استطاع أن يؤسس لغةً جمالية وإنسانية متفردة، تستند إلى عمق الرؤية أكثر من اعتمادها على التقنيات أو المؤثرات البصرية.
وتتمثل أبرز ملامح أسلوبه الفني فيما يلي:
الإنسان محور الصورة: لا يظهر الإنسان في أعماله بوصفه عنصرًا داخل المشهد، بل باعتباره جوهر الحكاية ومحورها. فهو يلتقط الوجوه العفوية، ولحظات الصمت والتأمل، والتعبيرات الصادقة، ليحوّل الصورة من تسجيل لحدث إلى تجسيد لحالة إنسانية.
الذاكرة البصرية وإحساس الزمن: تحمل صوره إحساسًا عميقًا بمرور الزمن، فتبدو وكأنها توثق الذاكرة أكثر مما توثق اللحظة. وتبرز في أعماله حارات دمشق القديمة، والأبواب الخشبية، والجدران التي طبعت عليها السنوات آثارها، لتصبح المكان شاهدًا حيًا على التاريخ والإنسان.
الضوء الطبيعي بوصفه عنصرًا تعبيريًا: اعتمد جورج عشي على الضوء الطبيعي باعتباره البطل الحقيقي في الصورة، مستثمرًا أشعة الشمس المائلة أو الضوء المتسلل من النوافذ والأزقة، ليصنع ظلالًا ناعمة وتباينًا هادئًا يعزز البعد الشعوري دون افتعال.
إيقاع بصري مستمد من الموسيقى: انعكست خبرته الموسيقية على بناء الصورة، فجاءت عناصرها متوازنة ومنسجمة، تقوم على الإيقاع والتناغم بين الكتلة والفراغ، وبين الضوء والظل، لتبدو الصورة وكأنها مقطوعة موسيقية تُقرأ بالعين.
التركيز على الجوهر لا الزخرفة: مال في كثير من أعماله إلى الأبيض والأسود، أو إلى تقليل حضور اللون، ليمنح الضوء والظل والملمس الدور الأكبر في التعبير، مؤمنًا بأن قيمة الصورة تكمن في معناها الإنساني لا في زخرفتها البصرية.
المكان بوصفه ذاكرة إنسانية: لم يتعامل مع المكان كخلفية أو مشهد سياحي، بل باعتباره ذاكرة نابضة بالحياة، تختزن قصص الناس وتاريخهم، لذلك جاءت المدن القديمة، ولا سيما دمشق، جزءًا أصيلًا من خطابه البصري.
الهدوء والصدق التعبيري: ابتعد عن المبالغة الدرامية واللقطات الصادمة، وفضّل اللحظات الهادئة التي تسبق الحدث أو تعقبه، حيث يتجلى التأمل والصدق الإنساني بعيدًا عن التكلف.
لقد جمع جورج عشي، بوصفه مصورًا فوتوغرافيًا، وفنانًا تشكيليًا، وعازفًا موسيقيًا، وشاعرًا غنائيًا، بين حساسية الفنون المختلفة، فانعكس هذا التعدد الإبداعي على أعماله التي اتسمت بالانسجام والإيقاع والعمق الإنساني. ويمكن تلخيص فلسفته الفنية في عبارة تختصر تجربته كلها: “الصورة عند جورج عشي ليست ما تراه العين، بل ما تتذكره الروح.”
الجوائز والتكريمات:
حظي جورج عشي بتقدير واسع محلياً ودولياً، تجلى في حصاده العديد من الجوائز والأوسمة. من أبرزها:
· الجائزة الأولى لمهرجان الأغنية الشعبية عام 1975.
· الجائزة الثانية في مهرجان قطر للتلفزيونات العربية عام 1975 عن عمله الدرامي الموسيقي “الريشة السحرية”.
· الجائزة الثانية لوزارة الثقافة السورية في مسابقة تأليف الأوبريت الغنائي “خيال الريح الأزرق” عام 1967.
· الجائزة الثانية والميدالية الفضية لمعرض الصورة الصحفية العالمي “أنتربرس فوتو” عام 1983.
· جائزة الشرف من اتحاد الصحفيين الألمان عام 1984.
· حصل على 21 ميدالية تقدير من هيئات ومنظمات دولية وعربية.
وفي الأعوام الأخيرة، توالت التكريمات؛ ففي عام 2020 كرمته “أيام الثقافة السورية”، وفي مايو 2026 كرمته جمعية “شموع السلام” في المركز الثقافي العربي بأبو رمانة، في أمسية وصفها رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين الدكتور محمد صبحي السيد يحيى بأنها “عرس من أعراس سوريا الجديدة”.
العضويات والمناصب:
شغل الفنان جورج عشي عضوية العديد من النقابات والاتحادات المرموقة، منها:
· عضو اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين والعرب.
· عضو اتحاد الصحفيين في سوريا والعرب.
· عضو مؤسس وعضو المكتب التنفيذي ومستشار العلاقات العربية والدولية في اتحاد المصورين العرب.
· عضو جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين في باريس.
كما عمل مدرساً لمادة التصوير الضوئي في معهدي الآثار والمتاحف والفنون التطبيقية، وكان عضواً في اللجنة التحكيمية لمعرض الصورة الصحفية العالمي “أنتربرس فوتو” في موسكو عام 1985.
المعارض والإسهامات:
أقام الفنان عشي أكثر من عشرة معارض تصوير زيتي فردية، وشارك في معظم المعارض السنوية لوزارة الثقافة السورية. كما أقام معارض تصوير ضوئي في دمشق (المركز الثقافي الفرنسي، 1981) وبرلين (صالة اتحاد الصحفيين الألمان، 1984).
وختامها مسك وعنبر:
الموسوعي جورج عشي، ليس مجرد فنان تشكيلي، ولا مصور ضوئي بارع، ولا شاعر غنائي مبدع فحسب؛ إنه “فنان شامل” جسّد في مسيرته وحدة الفنون وتكاملها. استطاع أن يترجم ما اكتنزه من ثقافة ووعي إلى مقطوعات موسيقية وقصائد ولوحات وصور، تاركاً أثراً عميقاً في الذاكرة الثقافية والجمالية السورية. وفي كل ما أنجزه، كان الباحث الدؤوب عن الجمال في كل صورة وصوت، والمؤمن بأن الفن رسالة إنسانية تتجاوز الزمان والمكان. إن تكريمه اليوم، وهو بين محبيه، ليس فقط اعترافاً بعطاءات عقود خلت، بل هو احتفاء بجزء أصيل من الروح الثقافية السورية التي لا تنطفئ شموعها.
— ملحق —
جورج عشي (مواليد 1940، ضهر صفرا – طرطوس): فنان تشكيلي، مصور ضوئي، وشاعر غنائي سوري. حاصل على دبلوم ديكور بامتياز من المدرسة الدولية في بيروت. عضو اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين والعرب، وعضو جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين الدولية في باريس. أقام أكثر من عشرة معارض فردية، ونال العديد من الجوائز والأوسمة العربية والدولية. تم تكريمه في عدة مناسبات، آخرها في مايو 2026 من قبل جمعية “شموع السلام” في دمشق.





Hits: 1





















