“محمد كواسي” العدسة التي واجهت الاستعمار وصنعت الذاكرة البصرية للثورة الجزائرية
من اعداد المصور رفيق كحالي
في كل صورة رسمية للثورة الجزائرية، في كل بورتريه لقادة جبهة التحرير الوطني، في كل لقطة من مخيمات اللاجئين على الحدود التونسية، كانت هناك عين واحدة تقف خلف العدسة: عين محمد كواسي، الفرّاز على المعادن الذي تحوّل إلى المصوّر الرسمي الوحيد لثورة نوفمبر، والذي يستحق لقب “أب التصوير الفوتوغرافي الجزائري” أكثر من أي اسم آخر.
مع ذلك، وخارج الأوساط المتخصصة والمؤرخين، يبقى اسمه شبه مجهول، حتى بالنسبة لكثير من المصورين الجزائريين اليوم — رغم أن أرشيفه هو الذاكرة البصرية الأهم والأكثر أصالة لتاريخ الجزائر الحديث.
من القصبة السفلى إلى باريس: بدايات مصوّر بلا مدرسة
وُلد محمد كواسي عام 1922 في البليدة، ونشأ في القصبة السفلى بالجزائر العاصمة، وتعلّم في مدرسة “بولوغين”. لم يكن خريج معاهد فنية أو مدرسة تصوير احترافية، بل كان فرّازًا على المعادن بالمهنة، لكن شغفه بالتصوير الفوتوغرافي رافقه منذ الصغر.
في عام 1946 (وبحسب بعض المصادر 1948)، سافر إلى باريس ليتقن حرفة التصوير هناك، في فترة كانت الجزائر لا تزال تحت الاستعمار الفرنسي المباشر. هذه السنوات الباريسية شكّلت نقطة تحوّل مزدوجة في حياته: صقلت مهارته التقنية من جهة، وقرّبته من جهة أخرى من الأوساط الطلابية والنقابية الجزائرية النشطة في فرنسا، حيث انضم عام 1955 إلى الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، ثم إلى فيدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا.
مهرجان موسكو 1957: اللحظة التي وُلد فيها “مصوّر الثورة”
نقطة التحول الحاسمة في مسيرة كواسي كانت عام 1957، حين شارك كمصوّر رسمي مرافق لوفد الطلبة الجزائريين إلى مهرجان الشبيبة العالمي في موسكو. لم يكن الأمر مجرد تغطية صحفية عادية؛ فقد كانت المشاركة في حد ذاتها فعلًا نضاليًا صريحًا يهدف إلى إثبات وجود جزائر مستقلة الهوية، غير مندمجة أو ذائبة في فرنسا، أمام أنظار العالم.
منذ موسكو 1957، أصبح كواسي مطلوبًا من المخابرات الفرنسية — ومع ذلك واصل التصوير.
في موسكو، وثّق كواسي بكاميرته كل لحظات الوفد الجزائري، ليضع بذلك — كما يصفه الباحثون — أولى بصمات “المصوّر في خدمة الثورة الجزائرية”. كان هذا الالتزام خطيرًا: فقد أصبح كواسي منذ تلك اللحظة مطلوبًا من قبل الاستخبارات الفرنسية، ومع ذلك لم يتراجع، بل رافق الوفد رغم الخطر المحدق به لإيصال صوت الثورة إلى العالم.
المصوّر الوحيد لـ”المجاهد”: توثيق ثورة من الداخل
عام 1958، انتقل كواسي إلى تونس والتحق بمقاتلي “جيش الحدود” التابع لجيش التحرير الوطني، ليصبح بعدها مسؤول القسم الفوتوغرافي في وزارة الإعلام التابعة للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. كان الفوتوغرافي الوحيد لجريدة “المجاهد”، اللسان الرسمي لجبهة التحرير الوطني، والتي لعبت دورًا محوريًا في نقل صورة الثورة الجزائرية وقضيتها إلى الرأي العام العالمي.
في تلك السنوات، أنتج كواسي كمًا هائلًا من الصور التي لا تقدَّر بثمن تاريخيًا: مشاهد اللاجئين الجزائريين في تونس، معسكرات تدريب جيش التحرير الوطني، اجتماعات قادة الثورة، وبورتريهات رسمية لشخصيات مثل الحبيب بورقيبة، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، والمفكر المعادي للاستعمار فرانز فانون. كان يحضر اجتماعات قيادات الثورة بصفته الموثّق البصري الوحيد لتلك اللحظات المفصلية، بمن فيهم أعضاء الحكومة المؤقتة الثانية: سعد دحلب، سعيد محمدي، كريم بلقاسم، الأخضر بن طوبال، بوصوف وآخرون.
الأهم من ذلك، أن كواسي لم يكتف بالتوثيق المحايد، بل استخدم عدسته كسلاح مضاد للدعاية الاستعمارية الفرنسية، محوّلًا أحيانًا صورًا التقطها الجيش الفرنسي نفسه لفضح خطابه، في معركة صور موازية لمعركة السلاح.
عدسة الاستقلال والسنوات الأولى لدولة مستقلة
كان محمد كواسي حاضرًا بكاميرته في اللحظة التي طال انتظارها: احتفالات الخامس من يوليو 1962 بإعلان استقلال الجزائر، ثم زيارة الثوري الأرجنتيني تشي غيفارا للجزائر عام 1963 بمناسبة الذكرى الأولى للاستقلال، حيث وثّق كواسي لقاءه مع أحمد بن بلة وهواري بومدين خلال مباراة كرة قدم بين الجزائر ومصر — وهي من الصور النادرة التي تجمع بين الرمزية الأممية للثورة الجزائرية وحضورها الرياضي والشعبي.
احتفالات الاستقلال، الجزائر العاصمة، 5 يوليو 1962
المصدر المقترح: أرشيف عائلة كواسي / المجاهد
أرشيف غير مكتمل الاستكشاف
توفي محمد كواسي في 21 أغسطس 1996 في الجزائر العاصمة عن عمر 74 عامًا، تاركًا وراءه أرشيفًا ضخمًا ظلّ لسنوات طويلة محفوظًا لدى عائلته دون فهرسة علمية منهجية، ما جعل الباحثين والمؤرخين الذين حاولوا لاحقًا دراسته يواجهون تحديات منهجية معقدة في التعامل مع هذا الكنز البصري النادر.
فقط في العقود الأخيرة بدأت مؤسسات ثقافية جزائرية — مثل متحف المجاهد وقصر الرايس وحصن 23 بالجزائر العاصمة — بتنظيم معارض استعادية لأعماله، تعرض المئات من صوره وتضع الزائر أمام مسيرة كاملة توثّق الجزائر تحت الاستعمار وما بعد الاستقلال: صور جماعية، لقطات من الأدغال (الماكي)، حوارات مع الرؤساء، واحتفالات الاستقلال.
لماذا يستحق محمد كواسي أن يُعرف على نطاق أوسع؟
◆ المصوّر الوحيد لثورة كاملة: على عكس معظم الحروب التي وثّقتها عدسات متعددة ومتنافسة، كانت الثورة الجزائرية من الداخل، في معظم لحظاتها الحساسة، محفوظة عبر عين رجل واحد فقط.
◆ التصوير كسلاح مضاد للرواية الاستعمارية: استخدامه للصورة كأداة نضالية مضادة للدعاية الفرنسية يجعله نموذجًا مبكرًا لما يُعرف اليوم بـ”صحافة المقاومة البصرية”.
◆ مخاطرة شخصية حقيقية: عمل وهو مطلوب من المخابرات الفرنسية، ما يمنح أرشيفه بُعدًا إنسانيًا ونضاليًا نادرًا يتجاوز مجرد التوثيق الفني.
◆ إرث لم يُستكشف بعد بالكامل: لا يزال جزء كبير من صور كواسي غير منشور، ما يجعل اكتشافه الكامل مهمة لا تزال قائمة أمام الباحثين والمؤسسات الجزائرية.
من فرّاز معادن مجهول، إلى العين التي منحت ثورة نوفمبر وجهها الذي عرفه العالم.
قصة محمد كواسي ليست فقط سيرة مصوّر، بل هي في جوهرها سيرة الجزائر نفسها في لحظة ميلادها الثاني.
الميلاد: 1922، البليدة — الوفاة: 1996، الجزائر العاصمة
الدور: المصوّر الرسمي الوحيد لجريدة “المجاهد” ووزارة إعلام الحكومة المؤقتة الجزائرية
أبرز الأعمال: توثيق مهرجان موسكو 1957، معسكرات اللاجئين والأدغال، احتفالات استقلال 1962، بورتريهات قادة الثورة
الأرشيف: محفوظ لدى عائلة كواسي، مع معارض في متحف المجاهد وقصر الرايس وحصن 23
Hits: 0





















